الإثنين، 17 يونيو 2024 05:33 مـ
صوت العالم

    رئيس التحرير عصام الدين راضى

    منوعات

    «ابْنُ مـوت» قصة قصيرة للكاتبة عزة أبو العز من المجموعة القصصية بوح الروح

    الكاتبة عزة
    الكاتبة عزة


    بقلم : عزة أبو العز
    في ليلةٍ شديدةِ البُرودَةِ، حالِكةِ الظّلام، قُطِعَ فيها التيارُ الكهرَبي، فبَدَت القريةُ الصغيرة ككَهْفِ حُزْنٍ عميقٍ...
    وقُبَيْلَ أذَانِ العشاء دخل الأب الحنون يقول لها: "الليلة الهواء يُصْدِر أصواتًا مخِيفة؛ ولا أُرِيدُكِ أنتِ أو أخَوَاتك أنْ تفتَحُوا بابَ البيت لأيّ سببٍ، سواء أكان بسيطًا أمْ كبيرًا، وسوف أُشْعِلُ لكم (الكلوب) الآن لتجلسُوا حولَه..."
    واكتشفَتْ أن ذاك (الكلوب) أو (القِنْدِيل) الذي يَسْتَخْدِمونه للإنَارة والتدفئةِ وقتَ انقطاع التيار الكهربي لفتراتٍ طويلة في القرية الصغيرة، يُسْتَخْدَمُ– أيضًا- كوسيلةِ ودَاعٍ في ليالي الشتاء الحزينة.
    يتظاهر الأب بالتَّمَاسُك، ولكنها بنظرة متفحِّصةٍ وجدتْه لا يقْوَى على إشعالِ عُودِ الثقابِ في (رتِينَة) الكلوب البيضاء ذات الملمس الحريري، ورأتْ يَـدَه تهتزّ.. ويتَصَبَّبُ عرقًا غزيرًا كالْمَحْمُوم...فَـمَـدَّت يدَها لتُشعِلَه.
    انقبضَتْ رُوحُها لحَالتِه... خرجَ من الحجرة بخُطًى وَئِيدَةٍ وسار في حوشِ البيت، ومدّ يدَه ليفتحَ بابَ البيتِ ليخرجَ إلى السَّاحة الكبيرةِ، ولا تعلمُ لِمَاذَا يصِرُّ على أنْ يُغْلِقَ عليهم البابَ؟ بصوتٍ واهِنٍ يَشُوبُهُ الْخوف قالت: "متَى سَيَعُودُ أخِي من الجيْشِ يا أبي؟ لقدْ طَالَتْ غيْبَتُه واشتقْتُ لرؤيتِه، ومُدَاعبَاتِه، ووُدِّهِ الجميل.. ".
    عندئذٍ فتح الأب البابَ ولكنه لم يستطعْ الردَّ عليْها.. نظرت بعينيها الْمُتَلهِّـفَتيْنِ فوجدَت عشراتٍ من الكلوبات الْمُضاءة (القناديل) في صورةٍ ظلَّتْ محفورةً في ذاكرتِها على مَرِّ السنين؛ حيث بدَتْ الكلوبات محمولةً فوقَ الرّؤوسِ كسحابةٍ ناصعةِ البياضِ تسِير ببُطْءٍ وتُؤَدَةٍ، وفي الأسفل ترى أقدامَهم تَسُوخُ في أعماقٍ من الطِّينِ.
    أغْلَقَ الأبُ البَابَ خلفَه بإحْكامٍ؛ لكنَّها لم تقاوِم فضُول الطفلةِ لديْها، فألصَقَت أذنها بالباب عَلَّـهَا تسمع ما يفسِّر لها غرابةَ هذا الْمشهد الخطير... سمعَتْ همْهَمَاتٍ ونَـحيبٍ، والجميعُ يُقِرُّونَ بأنَّ الْمُشَيَّعَ الليلةَ هو (ابن موت) ووصفُوه بالذكِـيّ... القَوِيّ... الشُّجَاع... النّبِيل... الجميل... وحمدَ البعضُ اللهَ على أنّ أُمَّه قدْ رحلَتْ قبلَه؛ وإلا مَا تحمّلت قسوةَ هذه الليلةِ الحزينةِ.
    أخذت تصرخ وتدقُّ بعُنْفٍ بابَ البيتِ الْمُوصَدِ: "افتح يا أبي. مَنْ ابنُ الْموت؟! ومَنْ أمُّه؟ ولماذا تُغْلِقُ عليْنا بابَ البيْتِ؟".
    صمت الأبُ وصمَت الجمْع الغفيرُ، ولم يُسْمَعْ سِوَى صوتُ الطفلةِ الصغيرةِ صارخةً مذْعورةً سائلةً: "مَنْ ابنُ الْموت؟! ومَنْ أمُّه؟ ولماذا تُغْلِقُ عليْنا بابَ البيْتِ؟".
    كبرَتْ... وعلَى مَــرِّ السِّـنِينَ ظَلَّ بوْحُهَا حَبِيسًا؛ لا يُفارِقُ رُوحَـهَا، وظلّت تساؤلاتُـها بلا إجَاباتٍ وافِيَةٍ: "لِمَاذَا يكون ابْنُ الْمَوْت بالضّرورةِ ذكِـيًّا... قَوِيًّا... شُجَاعًا... نبِيلًا... جميلًا؟".
    و"لماذا أمّه بالضَّرورة راحلةٌ سواء قبلَ مَشْهَدِ تشْيِيع الْجثمان الحزين أم بعده؟!".
    و"لماذا بِـرَحِيله لا بُدَّ أنْ يُغْلَقَ بابُ البيتِ على مَنْ فِيهِ؟!".
    كَمَا عَـجَزتْ عنْ مَحْوِ صُورَة القنادِيلِ الْمضاءَةِ فوقَ الرؤوس، والأقدام الْمَغروزَة في الطين.
    ومع كل جنازةِ شَهيدٍ منْ شُهَدَاءِ الوطنِ-التي تشاهدها عبْرَ شاشات التلفاز الْمُضِيئة- تُدْرِكُ أنّ العالمَ كلَّه يُتَابِعهَا عبْر وسَائل الاتصال العديدة..
    ولكن يظل هناكَ مَن فَقَدُوا الإحساس بقيمة ومعنى: "إنّ كلَّ نعْشٍ بِهِ (ابن موت) يُزَفُ لِمثوَاهُ الأخير".

    بوح الروح

    منوعات